جان لوئيس بوركهارت
305
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
التاكة بالماء في الشتاء والربيع من آبار عميقة متدفقة المياه منبثة في أرجاء البلاد وإن تكن المسافات بينها بعيدة ، وهي مجموعات كل مجموعة منها ست ، وحولها أحواض كبيرة بنيت من اللبن لشرب الماشية ، وهي تغص طول النهار بالرعاة وقطعانهم لأنها مورد الإقليم المجاور الذي يمتد أميالا أربعة أو خمسة . والماء في أكثر هذه الآبار ملح زعاق ، ولكن يقال إنك لا تعدم في كل مجموعة بئرا ماؤها مقبول . ويحفرونها إلى عمق يختلف بين خمس وعشرين قدما وأربعين ، ولا يبطنون جوانبها بحجارة ولا آجر والمحصول الذي تنتجه أرض التاكة ضئيل إذا قيس بما يمكن أن تغله تربتها الخصبة التي تتمتع كل أجزائها بفيضان قلّ أن يخيب . ويبدو أن أهلها يجهلون الزراعة ، فليست لهم حقول منظمة ، وهم يبذرون حب الذرة - وهو غلتهم الوحيدة - بين الأشجار الشوكية والعشر ، بحفر ثغرات كبيرة في الأرض يرمون في كل ثغرة منها حفنة . فإذا ضمّوا المحصول رجع الفلاحون إلى مواشيهم يرعونها . ولعلهم لم يفكروا قط في رى الأرض لغلة ثانية بالماء الذي يمكن أن تجده أينما حفرت عليه في الإقليم . وليس أقل من أربعة أخماس الأرض يترك بورا . ولكن غلتهم من الذرة تكفيهم عادة وتفيض عنهم ، لذلك لم يفكروا في العمل على زيادتها وإن كان الأهلون يقاسون الأمرين من القحط والعوز في الفيضانات المتوسطة ، أو الشحيحة - ولا أقول في الجدب التام ، لأن أحدا لا يذكر أن الفيضان امتنع في سنة من السنين . وكان القوم هنا يبيعون 24 مكيالا من الذرة بثوب من الدمور . أما في شندى فالثوب يساوى سبعة مكاييل ، فإذا حسبت الثمن بالريال ، كان ثمن الذرة ريالا إسبانيا ، كما هو الحال في صعيد مصر ، وهو أرخص أسواق الغلال في الشرق بأسره « * » . والذرة من أجود الأنواع ، وهي من الفصيلة التي تجدها في الصعيد وسائر أراضي النيل . ولكن ذرة التاكة أكبر حبا وأبيض لونا وأطيب مذاقا ، لذلك يشتد عليها
--> ( * ) حين كنت بالصعيد كان ثمن الأردب من أجود القمح ( ويعادل 15 بوشلا ) * پاتكات أعنى 11 پوشلا بريال اسبانى . وقد احتكره الباشا وباعه في الإسكندرية بأربعين باتكا للاردب ( أعنى 11 بوشلا بثمانية ريالات ) .